محمد هادي معرفة
431
التمهيد في علوم القرآن
يقبل بوجهه إلى جهة تارة ، وإلى جهة أخرى تارة أخرى . ويسمّى أيضا « شجاعة العربية » لأنّ الشجاعة هي الإقدام . وذاك أنّ الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره ، ويتورّد ما لا يتورّده غيره . وكذلك الالتفات في الكلام ، فإنّ اللّغة العربية - على وفرة تفانينها وسعة مفاهيمها - تحتمل هذا التجوال ما لا تحتمله غيرها من سائر اللغات « 1 » قال السكاكي : والعرب يستكثرون من الالتفات ، ويرون الكلام إن انتقل من أسلوب إلى أسلوب كان أدخل في القبول عند السامع ، وأحسن تطرية لنشاطه ، وأملأ باستدرار إصغائه . قال : وأجدر بهم في هذا الصنيع ، أفتراهم يحسنون قرى الأضياف بتلوين الطعام ، وهم أبدان وأشباح ، ولا يحسنون قرى النفوس والأرواح بتنويع الكلام ؟ ! والكلام كلّما ازداد طراوة كان أشهى غذاء للروح وأطيب قرى للقلوب . قال : وهذا الوجه - وهو تطرية نشاط السامع - هو فائدته العامّة . وقد يختصّ مواقعه بلطائف معان ، قلّما تتّضح إلّا لأفراد بلغائهم أو للحذّاق المهرة في هذا الفنّ والعلماء النحارير . ومتى اختصّ موقعه بشيء من اللطائف والظرائف كساه فضل بهاء ورونق ورواء ، وأورث السامع زيادة هزّة ونشاط ، ووجد عنده من القبول أرفع منزلة ومحل ، إن كان ممّن يسمع ويعقل ، وقليل ما هم ، أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون ؟ ! قال : ولأمر ما وقع التباين الخارج عن الحدّ بين مفسّر لكلام ربّ العزّة ومفسّر ، وبين غوّاص في بحر فوائده وغوّاص . وكل التفات وارد في القرآن الكريم ، متى صرت من سامعيه ، عرّفك ما موقعه . وإذا أحببت أن تصير من سامعيه فأصخ ثمّ ، ليتلى عليك :
--> ( 1 ) المثل السائر : ج 2 ص 170 .